يوسف المرعشلي

1400

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

حزم ولين ، وتعلّم في المنزل بداية من السنة السادسة من عمره الهجاء في كتب مدرسية مصرية ، ثم شرع في حفظ القرآن العظيم ، ولما بلغ التاسعة من عمره شرع في حفظ المتون العلمية ك « الآجرومية » و « المرشد المعين » لابن عاشر ، و « الرسالة » لابن أبي زيد القيرواني ، و « ألفية ابن مالك » و « تحفة الحكام » لابن عاصم . ولما بلغ العاشرة من عمره أعاد حفظ القرآن مرة ثانية ، وبدأ في تعلم الفرنسية على معلمين خصوصيين في ساعات معينة بالمنزل . وفي سنة 1340 / 1922 شرع في قراءة دروس في القراءات ، والتوحيد ، والفقه ، والنحو ، بمسجد سيدي أبي حديد المجاور للمنزل بتونس بنهج الباشا ، في آخر السنة اجتاز بنجاح امتحان الدخول للتعليم الزيتوني فقبل في السنة الثانية ، واستمر على تلقّي الدروس الخاصة باللغة الفرنسية ، واختزل سنة أخرى عن برنامج التعليم بجامع الزيتونة فاجتاز بنجاح شهادة ختم الدروس الثانوية المسماة في ذلك العصر شهادة التطويع سنة 1347 / 1928 ، وفي السنة الدراسية الموالية أقبل على مزاولة التعليم العالي بجامع الزيتونة ، وانخرط في سلك المدرسة العليا للغة والآداب العربية بسوق العطارين وانتسب إلى كلية الآداب بجامعة الجزائر سنة 1931 م . اجتاز بنجاح مناظرة التدريس من الطبقة الثانية سنة 1932 م ، وبعد مدة اجتاز كذلك بنجاح مناظرة التدريس من الطبقة الأولى . وفي مدة دراسته بجامع الزيتونة كان يعيش تحت مراقبة حازمة من قبل والده ، فتنقله بين الجامع والمنزل ونظام أوقاته مضيّق عليهما جدّا ، لئلا ينغمس في حركات أدبية واجتماعية أو يختلط بجماعات تجعله غير ناجح في دراسته ، أو مقبلا عليها بكلل ، أو مشمئزا منها ، ومفكرا في الانقطاع عنها ، كما كان شأن غيره من سلك هذا السبيل ، فكان من الحكمة الكبرى مراقبته والتضييق عليه ليقبل بجد على الدراسة لا غير . ولما أحرز على شهادة التطويع زالت عنه قيود المراقبة والتضييق ، فقام بنشاط اجتماعي متعدد الجوانب والاتجاهات ، فعمل بالجمعية الخيرية ، وبجمعية قدماء الصادقية ، ولجان الحفلات بالمرسى ، والمنظمات التي أنشأها مع جماعة من زملائه الطلبة ، ودخل المجلس الإداري للخلدونية سنة 1931 بعد أن ربطه بالخلدونية رئيسها الأستاذ عبد الرحمن الكعاك ، وألقى محاضرات على منبر الخلدونية ، وكان موضوع أول محاضرة له عن : « القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني » . وقد قام بعدة رحلات ، فرحل أول مرة إلى فرنسا سنة 1926 ، وزار مصر مرات ، والحرمين الشريفين أكثر من مرة والقطر الجزائري ، وزار المغرب الأقصى كما زار ليبيا مرة واحدة ، ورحل إلى سوريا ولبنان وبغداد وإيطاليا وسويسرا وتركيا وألمانيا والنمسا واليونان وبلغاريا ويوغوسلافيا ، وربط صلات مع كثير من رجال العلم والأدب ، ورحل للاشتراك في مؤتمرات المستشرقين عدة مرات ، وفي مؤتمرهم المنعقد بإستانبول حضره بصحبة والده ، ودعيا للحضور بصفة شخصية لا يمثلان دولة ولا منظمة ، وألقى فيها محاضرة باللغة الفرنسية عن كتاب لابن حزم في الاحتجاج لمذهبه ضد القياس ، وقد ترجمها إلى العربية ونشرت في عددين من المجلة الزيتونية سنة 1952 ، وفي سنة 1948 حضر بباريس مؤتمر المستشرقين استجابة لدعوة الكوليج دي فرانس قصد المشاركة في حوار علمي ، والكوليج دي فرانس لا يفتح إلا في وجه صفوة الصفوة من العلماء ، قال تلميذه الأستاذ الطيب السحباني : « واجتمعت بعد أيام بأحدهم فقال لي جاءنا أخيرا من بلدكم الشيخ ابن عاشور ، وقد أحدث في المستمعين أثرا بليغا ، قلت : كيف ؟ وفي أي لغة ؟ قال : ألقى علينا دراسة عظيمة ، ثم رد على مناقشتنا إياه في اللغة الفرنسية ، واستطرد الأجنبي قائلا : إن لكم في تونس عالما جليلا فليتني أوتيت من فقه اللغة العربية ما أوتيه من معرفة مشاغلنا ولغتنا » . كنت قبل أن أرحل من صفاقس لطلب العلم بجامع الزيتونة في تطلّع لمعرفة شخصه وسماع دروسه ومحاضراته ، لما له من صيت علمي ذائع ، وما كنت أطالع له بشغف وإعجاب مقالاته المنشورة في مجلة الثريا والمجلة الزيتونية ، ولما دخلت جامع الزيتونة وجدته يدرّس في التعليم العالي على طلبة العالمية في الآداب والتفسير ومقدمة ابن خلدون ، وأنا آنذاك ما زلت